عمر السهروردي
177
عوارف المعارف
المدينة وأقام بين ظهراني الناس ، فجاء هذا بطعام ، وهذا بشراب فأكل وشرب ، فأوجس في نفسه من ذلك ، فسمع هاتفا : أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا ، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بأيدي القدرة . فالواقف مع الفتوح استوى عنده أيدي الآدميين وأيدي الملائكة ، واستوى عنده القدرة والحكمة ، وطلب القفار ، والتوصل إلى قطع الأسباب ، من الارتهان برؤية الأسباب . وإذا صح التوحيد تلاشت الأسباب في عين الإنسان . أخبرنا شيخنا قال : أنا أبو حفص عمر قال : أنا أبو عبد الرحمن قال : أنا محمد بن أحمد بن حمدان العكبري قال : سمعت أحمد بن محمود بن اليسرى يقول : سمعت محمدا الإسكاف يقول : سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول : من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين . قال بعض المنقطعين : كنت ذا صنعة جليلة فأريد منى تركها ، فحاك في صدري من أين المعاش ، فهتف بي هاتف لا أراه : تنقطع إلى وتتهمني في رزقك ؟ على أن أخدمك وليا من أوليائي ، أو أسخر لك منافقا من أعدائي ، فلما صح حال الصوفي ، وانقطعت أطماعه ، وسكنت عن كل تشوف وتطلع ، خدمته الدنيا ، وصلحت له الدنيا خادمة ، وما رضيها مخدومة . فصاحب الفتوح يرى حركة النفس بالتشوف جناية وذنبا . روى أن أحمد بن حنبل خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام فاشترى دقيقا ولم يكن في ذلك الموضع من يحمله ، فوافى أيوب الحمال فحمله ودفع إليه أحمد أجرته ، فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أن أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق وتركوا الخبز على السرير ينشف ، فرآه أيوب وكان يصوم الدهر ، فقال أحمد لابنه صالح : ادفع إلى أيوب من الخبز ، فدفع